القديسة تريزا الطفل يسوع
عيدها: 1 تشرين الأول
شفيعة الإرساليات، فرنسا، مرضى الإيدز، بائعي الزهور، البستانيين، فاقدي الوالدين، ومرضى السل
المولد والنشأة
وُلدت "فرانسواز ماري تريز مارتين" (Françoise Marie Thérèse Martin) في الثاني من كانون الثاني (يناير) سنة 1873، في مدينة ألانسون (Alençon) في فرنسا. كانت الأخيرة بين تسعة أطفال رُزِقا بهم الوالدان "لويس وزيلي (Zélie) مارتين" .توفّيت والدتها عندما كانت تريزا في الرابعة من عمرها، وقد ترك هذا الحدث جرحًا عميقًا في قلب الطفلة الصغيرة.
كانت تريزا طفلة مفعمة بالفرح وذات طبع اندفاعي، لكنها بعد وفاة أمّها أصبحت "خجولة، لطيفة، وحسّاسة إلى درجة مفرطة". وفي سنة 1877، انتقل والدها مع بناته إلى مدينة ليزيو (Lisieux).
عندما بلغت تريزا التاسعة من عمرها، دخلت أختها بولين (Pauline)، التي كانت بمثابة الأم الثانية لها، إلى دير الكرمل، وتلتها أختها ماري. وقد أعاد فراق من ربّوها إلى ذاكرتها ألم الفقد الذي شعرت به عند وفاة والدتها.
شفاء عجائبي وتحوّل روحي
في سنة 1882، بدأت تريزا تعاني من المرض، إذ شعرت بأوجاع وصداع مزمن، وسرعان ما ساءت حالتها. وإذ شعر أفراد العائلة بقلق كبير عليها، توجهوا للصلاة إلى "سيدة الانتصار" وفي الثالث عشر من أيار سنة 1883، اجتمع أخواتها للصلاة أمام تمثال العذراء مريم، وشاركتهم تريزا الصلاة، فشاهدت العذراء تبتسم لها. ومنذ تلك اللحظة، شُفيت تريزا شفاءً تامًا.
وفي عيد الميلاد سنة 1886، نالت تريزا "نعمة الاهتداء"، التي أخرجتها من مرحلة الطفولة الروحية، وأدخلتها في نضوج إيماني عميق. وفي سنة 1887، بعد أن شاركت بقداس الأحد، تلقّت تريزا إعلانًا داخليًا عن دعوتها: "أن تخلّص النفوس بالصلاة والتضحية".
الدعوة إلى الحياة الرهبانية
عندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها، أبدت تريزا رغبتها في دخول دير الكرمل. لكن رئيسة الدير رفضت طلبها بسبب صغر سنها. اصطحبها والدها في رحلة حج إلى روما، وهناك حظيت بمقابلة مع البابا لاوون الثالث عشر (Pope Leo XIII)، وعندما طلبت منه الإذن بدخول الدير، أجابها قائلاً: "يا صغيرتي، افعلي ما يقرره رؤساؤك".
وفي نيسان سنة 1888، قُبلت تيريزا في دير الكرمل في مدينة ليزيو(Lisieux) ، وهناك أخذت اسم "الأخت تريزا الطفل يسوع والوجه الأقدس" ونذرت نذورها النهائية بعد عامين. لاحقًا، دخلت أختها سيلين (Céline) إلى نفس الدير، فيما التحقت أختها ليوني برهبنة الزيارة.
الحياة في الكرمل
واجهت الأخت تريزا واقع الحياة الرهبانية بكل صعوباته. قالت: "وجدت الحياة الرهبانية كما تخيّلتها... أولى خطواتي واجهت شوكًا أكثر من الورود". ورغم ذلك، عاشت دعوة الكرمل بأمانة وفرح داخلي عميق.
في سنة 1894، اكتشفت تريزا طريقها الروحي بوضوح، وفي 9 حزيران 1895، قدمت نفسها كذبيحة "لمحبّة الله الرحيمة"، من خلال "فعل تقدمة". بطلب من أختها بولين، التي أصبحت الأم أغنيس ليسوع (Mother Agnes of Jesus)، بدأت تريزا تكتب مذكرات طفولتها، والتي ستُعرف لاحقًا باسم "تاريخ نفس". (Story of a Soul)
المرض والظلمة الروحية
في ليلة الخميس المقدّس قبل الجمعة العظيمة سنة 1896، بدأت تريزا تسعل دمًا. واعتبرت هذا علامة تُعلن لها اقتراب لقاء العريس الإلهي. ومنذ تلك الليلة، دخلت في ظلمة روحية كثيفة لم تخرج منها أبدًا.
أُصيبت تريزا بمرض السلّ، وتدهورت صحتها بسرعة. نُقلت إلى المستوصف، حيث تحمّلت آلامها بصبر بطولي دون تذمّر، وقدّمت كل معاناتها لأجل خلاص النفوس. وبإلحاح من الرئيسة، كتبت ذكريات حياتها الرهبانية في أيامها الأخيرة وبقوة جسدية شحيحة.

انتقالها إلى الحياة الأبدية
في الثلاثين من أيلول (سبتمبر) سنة 1897، توفّيت الأخت تريزا عن عمر 24 عامًا. كانت كلماتها الأخيرة: "لا أموت، بل أدخل الحياة."
ومنذ ذلك الحين، بدأت "أمطار الورود" تتساقط على الأرض، بحسب وعدها. وقد بدأت المعجزات تُنسب لها، خصوصًا عند قبرها.
كتابات القديسة تريزا الطفل يسوع
بعد وفاتها، جمعت الأم أغنيس ليسوع (أختها الكبرى بولين) كتابات تريزا في مؤلَّف بعنوان "تاريخ نفس"، الذي يضم ثلاث مخطوطات سيرة ذاتية تُعبّر عن مسيرة القديسة الروحية.
في هذه الصفحات، تنكشف روح تريزا البسيطة والعميقة، وتُظهر "الطريق الصغير"، وهو طريق الطفولة الروحية، أي عيش الحياة المسيحية بثقة كاملة، وتواضع، وتسليم تام لمحبة الله.
قصائد تريزا الصغيرة The Poems of Little Thérèse
كتبت الأخت تريزا الطفل يسوع العديد من القصائد للمناسبات والأعياد، أو ببساطة للتعبير عن حبها للرب. كانت هذه القصائد تعكس نضوجها الروحي وصراعاتها وألمها وفرحها في آن واحد. من أشهر قصائدها: "سمائي أنا" قصيدة رقم 32. كتبت القدّيسة تريز الطفل يسوع هذه القصيدة للأخت فينسان دو بول (Vincent de Paul)، بناءً على طلبٍ منها، يوم عيد القربان الأقدس في 7 حزيران 1896. وقد ضمَّنتها تريز شيئاً من اختبار محنتها الباطنيّة: فهي تُشير إلى الإله المُحتَجِب الذي يريد أن يَمتحِن الإيمان. فالقدَيسة تريز تعود دائماً في كتاباتها وقصائِدها إلى آيات من الكتاب المقدّس، لأنّه كان مصدر تعزيتها، وفيه تَجِدُ كلّ شيءٍ هي بحاجةٍ إليه.
1- لكي أتحمَّل مَنفى وادي الدموع (مزمور 87: 7)
لا بُدَّ لي من نَظرةِ مُخلّصي الإلهيّ؛
هذه النظرة المُفعَمَة حُبًّا، كَشَفَت لي جمالاتِهِ،
وجعلَتني أستشِفُّ السعادةَ السماويّة.
يسوع يبتسم لي عندما أتوقُ إليه،
فلا أعودُ أعاني مِحنة الإيمان.
فنظرةُ إلهي، وابتسامته الساحرة،
هما سمائي، أنا!…
2- سمائي هي أن أستمطِر على النفوس،
وعلى الكنيسةِ أُمّي، وعلى جميع أخواتي،
نِعَمَ يسوع ونيرانه الإلهيّة، (لوقا 12: 49)
التي تعرف أن تُضرِم القلوب وتُبهِجها.
أستطيع نيلَ كلَّ شيءٍ عندما أُخاطِبُ في السِّر
مَلكي الإلهي قلباً لقلبٍ.
هذا التأمّل الهادئ بالقُربِ من المعبد،
تلك سمائي، أنا!…
3- سمائي محجوبةٌ في القربانة الصغيرة
حيث يسوع، عريسي، يستَتِرُ حُبًّا.
من هذا الموقِد الإلهيّ سأغرِفُ الحياة؛
هناكَ يُصغي إليَّ مُخلّصي الوديع ليلاً ونهاراً.
آه! يا لَلّحظةِ السّعيدة عندما تأتي
يا حبيبي، وبِحنانِكَ تُحوِّلني إليكَ!
هذا الاتّحاد بالحُبّ، وهذه النشوة الفائِقة الوَصف،
تلك سمائي، أنا!…
4- سمائي هي شعوري بأنّي أُشابِه
الإله الذي خلقَني بنفختِهِ الجبَّارة. (تكوين 2:7)
سمائي هي أن أمكُثَ دائماً في حضورِهِ
وأن أُناديَهُ أبي وأكونُ ابنتَهُ.
بين ذراعَيه الإلهيّتَين لا أخشى العاصفة،
والتسليمُ الكليّ هو ناموسي الوحيد.
أن أنام على قلبِهِ، بالقُربِ من وَجهِهِ،
تلك سمائي، أنا!…
5- سمائي وجدُتها في الثالوث الأقدس،
المُقيم في قلبي سجينَ الحُبّ.
هُناك، أتأمَّلُ إلهي، وأُرَدِّدُ بدونِ خِشيَة،
أنّني أريدُ أن أخدمهُ وأُحبّهُ إلى الأبد.
سمائي هي أن أبتسِم لهذا الإله الذي أعبُدهُ،
عندما يُريدُ أن يَحتَجِب ليَمتَحِن إيماني.
أن أتألّم مُنتَظِرةً أن يَنظُرَ إليَّ بَعدُ،
تلك سمائي، أنا…
إعلانها قديسة ومعلمة للكنيسة
تم إعلان تريزا قديسة في 17 أيار 1925 على يد البابا بيوس الحادي عشر (Pius XI)، بعد 28 عامًا فقط من وفاتها. وفي سنة 1927، أعلنها البابا نفسه شفيعة للإرساليات، إلى جانب القديس فرنسيس كسفاريوس (Saint Francis-Xavier). وقد صرّح البابا أن تريزا كانت "نجمة حبريّته"، وتمنى أن يُبنى لها بازيليك عظيمة.
اليوم، تُعدّ بازيليك ليزيو (Basilica of Lisieux) ثاني أكبر مكان حج في فرنسا بعد لورد (Lourdes).
في سنة 1944، أعلنها البابا بيوس الثاني عشر (Pius XII) شفيعة ثانية لفرنسا، إلى جانب القديسة جان دارك (Jeanne d’Arc).
في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1997، بمناسبة مئوية وفاتها، أعلنها البابا القديس يوحنا بولس الثاني معلّمة للكنيسة، وهي ثالث امرأة تحصل على هذا اللقب في تاريخ الكنيسة.
ألهمت حياة القديسة تريزا عددًا لا يُحصى من الدعوات الكهنوتية والرهبانية. وقد أَوكَل إليها العديد من الكهنة والمبشّرين خدمتهم. وهناك اليوم أكثر من 50 جماعة رهبانية في العالم تتبع روحانيتها.
أقوالها
خلّفت القديسة تريزا كنوزًا من الأقوال الروحية التي لا تزال تغذّي حياة الملايين من المؤمنين. ومن أبرز أقوالها:
تذكروا دائمًا أنّ ما من شيءٍ صغيرٍ في عينَي الله. إفعلوا كلّ ما تقومون به بمحبة. من دون الحبّ، حتّى أبرع الأفعال لا تعدّ شيئًا.
ربّنا لا يحتاج منا لا أفعال كبيرة ولا أفكار عميقة، لا المواهب أو الذكاء بل هو يُسَرُّ ببساطتنا.
تحمُّل المعاناة بفرحٍ يجعل الخطأة يرتدّون أكثر من المواعظ.
بالصّلاة والتّضحية نستطيع أن نعاون المُرسَلين.
القداسة تكمن فقط في إرادة الله، وأن نكون فقط ما يريدنا الله أن نكونه.
حين يحبّ الإنسان لا يَحسُب مقدار حبّه.
أود أن أشع كشمعة صغيرة أمام مذبحه.
لا يكفي أن نحبّ، بل علينا أن نبرهن عن ذلك.
لا يمكنك أن تكون نصف قديس، إذ ذاك لا تكون قديسًا على الإطلاق.
في السّماوات سيحقّق الله الطّيب كل ما أتمنّاه، لأنّني لم أنفّذ إرادتي الخاصة على الأرض.
حين أموت، سأرسلُ من السماء أمطار ورود على الأرض، سأقضي سمائي بفعل الخير على الأرض.
قصص أخرى مقترحة

Helvetica Light is an easy-to-read font, with tall and narrow letters, that works well on almost every site.



