سرّ الكهنوت
مقدمة
سرّ الكهنوت هو السرّ الذي يضمن استمرار الرسالة التي أوكلها المسيح إلى رسله، فتبقى حيّة وفاعلة في الكنيسة حتى منتهى الأزمنة. هو إذاً سرّ "الخدمة الرسولية"، ويتضمّن ثلاث "رُتَب": الأسقفيّة والكهنوتيّة والشمامسيّة (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1536)
لماذا نستعمل العبارة "رُتبة"؟
أراد الله أن يكون شعبه مُنظَّماً، فيجد كل مؤمن مكانه في الكنيسة ويتمكن من القيام برسالته بشركة مع الآخرين، وحسب دعوته الخاصّة. لذلك تكوّنت في الكنيسة "هيئات" منظّمة سمّاها التقليد منذ القِدَم "رُتَباً"، بوحيٍ من الكتاب المقدس (عبرانيين 5: 6؛ 7: 11؛ مزمور 110: 4): فهناك رتبة الأساقفة، ورتبة الكهنة، ورتبة الشمامسة، وهناك فئات أخرى تحمل هذه التسمية مثل الموعوظين، والعذارى، والأزواج والأرامل، إلخ.
يتمّ الانضمام إلى إحدى تلك "الهيئات" الكنسيّة بواسطة "طقس" معيّن يُدعى "رتبة" وهوعمل دينيّ وليتورجيّ قوامه بركة أو تكريس او سرّ. تُستخدم اليوم عبارة "رتبة الرسامة" بشكل خاصّ للأساقفة والكهنة والشمامسة (وأحياناً عبارة "رتبة السيامة" للأساقفة) لوصف العمل الأسراريّ الذي به ينضم المؤمن إلى رتبة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة، فينال نعمةً من الروح القدس تُتيح له أن يمارس "سلطاناً مقدَّساً" لا يصدر إلا من ربنا يسوع المسيح، بواسطة الكنيسة. وضع يدي الاسقف، مع صلاة التكريس، هو العلامة الظاهرة لفعل التكريس هذا (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1537 - 1538).
ما هو سرّ الكهنوت؟
في العهد القديم، أقام الله له شعباً، وأراده أن يكون بأسره "مملكة من الكهنة وأمّة مقدسة" (خروج 19: 6) ومع ذلك، اختار الله أحد الأسباط الاثني عشر، وهو سبط لاوي، وفرزه للاحتفال بطقوس العبادة، لإعلان كلمته وتعليمها للشعب (ملاخي 2: 7 – 9)، ولتقدمة الذبائح والقرابين للتكفير عن الخطايا وإعادة الشركة مع الله. هذا الكهنوت (كهنوت اللاويين)، بالرغم من تكرار الذبائح، أثبت أنه قاصر عن تغيير قلوب البشر الخاطئين بشكل جذري، وعن تحقيق الخلاص الذي وعد به أنبياء العهد القديم (إرميا 31: 33 – 34؛ حزقيال 36: 26 – 28).
ذبيحة المسيح الفادية واحدة، لا غير. يسوع المسيح، بآلامه وموته وقيامته، قدّم ذبيحةً واحدةً فادية، و"جَعَلَ الذن قَدَّسَهم كامِلينَ أَبَدَ الدُّهور بِقُرْبانٍ واحِدٍ" (عبرانيين 10: 14). هذه الذبيحة، رغم أنها تمّت مرّة واحدة، تكون ماثلةً كلّ مرة يقدم فيها كاهنٌ ذبيحة الافخارستيا، وتحمل ثمار فداء للمشاركين في القدّاس وللعالم أجمع. مع القديس توما الأكويني، يمكننا إذاً القول أن "المسيح هو الكاهن الحقيقيّ الأوحد، وما الآخرون سوى خدمته" (في تفسير الرسالة إلى العبرانيين 7: 4).
طريقتان للاشتراك في كهنوت المسيح
رأينا أنه، منذ العهد القديم، كان هناك نوعان من الكهنوت: كهنوت الشعب وكهنوت اللاويين. كذلك أيضاً في العهد الجديد، هناك طريقتان للاشتراك في كهنوت المسيح (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1546 - 1551):
- "جماعة المؤمنين كلها كهنوتية في حدّ ذاتها. ويمارس المؤمنون كهنوتهم العماديّ عبر مساهمة كل واحد بحسب دعوته الخاصة، في رسالة المسيح الكاهن والنبيّ والملك. ويتكرّس المؤمنون ليكونوا كهنوتاً مقدساً "بواسطة سرّي المعمودية والتثبيت". يمارس المؤمنون هذا الكهنوت الملوكيّ بقبولهم أسرار الكنيسة، بالصلاة والحمد، بشهادة السيرة المقدسة، بالكفر بالذات وبالمحبة الفعالة (في الكنيسة، 10).
- هنالك أيضاً كهنوت الخدمة الرعوية الذي يمارسه الأساقفة والكهنة. هذا الكهنوت ينتقل في الكنيسة على مرّ الأجيال بواسطة سرّ خاص، سّر الكهنوت، وهو في خدمة الكهنوت المشترك (أي في خدمة جماعة المؤمنين لمساعدتهم على تنمية النعمة التي حصلوا عليها بمعموديّتهم). من خلال الخدمة الكنسية التي يقوم بها الأسقف أو الكاهن، يَحضُر المسيح نفسه في الكنيسة فيواصل عمل الفداء ويُعلِّم شعبه ويقوده ويوحّده. هكذا يصبح حضور المسيح، رأس الكنيسة، حضوراً مرئياً وسط جماعة المؤمنين.
الدرجات الثلاث في سر الكهنوت
توجد ثلاث درجاتٍ في ممارسة الخدمة الكنسية: الأساقفة، الكهنة والشمامسة، كلها تُمنَح من خلال سرّ واحد هو "سر الرسامة" أو "سر الرتبة". لكن لفظة "الكهنوت" لا تُطَبَق فعلياً إلا على الأسقف والكاهن، بينما تهدف الرتبة الشمّاسية إلى مساعدتهما وخدمتهما (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1554 - 1571)
الأساقفة: أغنى المسيح رسله الاثني عشر بفيض خاص من الروح القدس الذي حلّ عليهم، وبوضع الأيدي سلّم الرسل هذه الموهبة إلى معاونيهم ، أي موهبة الروح القدس، التي انتقلت إلينا حتى هذا اليوم عِبر السيامة الأسقفية. لهذا السبب يمكن القول أنّ الأساقفة، على مرّ العصور، هم خلفاء الرسل. يوجد أسقف على رأس كل أبرشيّة (= جماعة المؤمنين والرعايا والمؤسسات الكنسية في منطقة محددة)، وتطبعه قوة الروح القدس بطابع مقدس ليتمكن من القيام، بطريقة سامية ومرئيّة، مقام المسيح المعلّم والراعي والحبر. جمع الأساقفة في العالم يكوّنون "هيئة الأساقفة" التي تحمل، بطريقة جماعية، تحت رعاية بابا روما، وبشركة معه، همّ جميع الكنائس.
الكهنة: الكهنة هم معاونو الأساقفة في أداء الرسالة التي أوكلها إليهم المسيح. هم أيضاً، بقوة سرّ الكهنوت، مكرّسون على صورة المسيح، الكاهن الأعظم والأبديّ، ليبشّروا بالإنجيل، ويكونوا رعاةً للمؤمنين، ويُقيموا الشعائر الدينية. لكن عليهم أن يكونوا خاضعين لأساقفتهم ومتّحدين معهم في القيام بالرسالة التي توكَل إليهم. يمارس الكهنة خدمتهم المقدسة على الوجه الأكمل عندما يحتفلون بسر الإفخارستيّا: ففيه ينوبون مناب المسيح، ويعلنون سرّه، ويضمّون طلبات المؤمنين إلى ذبيحة المسيح رأسهم، ويجعلون ذبيحة المسيح الواحدة حاضرةً ومنفّذةً في ذبيحة القداس، إلى أن يأتي الربّ.
الشمامسة: يُرسَم الشمامسة بوضع الأيدي لا بقصد الكهنوت، بل بقصد الخدمة. من صلاحيّاتهم أن يعاونوا الأسقف والكهنة في إقامة الأسرار الإلهية، ولا سيّما الاحتفال بالإفخارستيا وتوزيع القربان. من صلاحيّاتهم أيضاً أن يُعَمِّدوا، أن يحضّروا الخطّاب للزواج ويباركوا زواجهم (يحتفلوا به)، أن يُعلنوا الانجيل ويعظوا، وأن يترأَّسوا عند الحاجة صلاة الجنّاز ويتفرغوا لمختلف أعمال المحبة.

من الذي يحظى بهذا السر؟
ما من إنسان يملك "حق" المطالبة بسر الكهنوت، أي ما مِن أَحَدٍ يَتَوَلَّى بِنَفْسِه هذا المَقام إلا إذا دعاه الله إليه (عبرانيين 5: 4). عندما يشعر إنسان أن الله يدعوه ليصير كاهناً، عليه أن يعبّر عن رغبته بتواضع أمام السلطة الكنسية، وذلك من خلال التواصل مع مكتب الدعوات في الأبرشية، أو مع سُلطةٍ أخرى معيّنةٍ كنسياً لهذا الغرض، ليحصل منها على توجيه أوّل. يبدأ حينئذٍ عمل التمييز الذي له وجهان:
- التّمييز الشّخصي، وهو يقتضي أن ننمو في معرفة الله ونتعلم الإصغاء لصوته في حياتنا (مثل صموئيل: "فجاءَ الرَّبُّ ووَقَفَ ودَعا كالمرَاتِ الأولى: " صَموئيل، صَموئيل " فقالَ صَموئيل: "تَكلَمْ، فإنَّ عَبدَكَ يَسمَع " (1 صموئيل 3: 10)). يتمّ ذلك بمرافقة مرشد روحي ذي خبرة، ويشمل عامةً رياضات روحيّة وبرامج تمييز بمرافقة مختصّين يساعدون الأفراد على فهم دعوتهم بشكل أعمق.
- التمييز الكنسي، وهو يفترض عمل متابعة من قِبَلِ المسؤولين الكنسيين لتقييم الراغبين في دخول الإكليريكية (أي المؤسسة التعليمية الدينية لتكوين الكهنة)، لأن السلطة الكنسية وحدها تحمل المسؤولية وتملك الحق في الدعوة إلى قبول الدرجات الكهنوتية.
كل الخَدَمة المرسومون في الكنيسة اللاتينية، أساقفة، كهنة، وشمامسة (باستثناء الشمامسة الدائمين)، يتم اختيارهم من بين الرجال المُعَمَّدين الذين هم في حال العزوبية، ويرغبون في المحافظة عليها "لأجل ملكوت السماوات" (متى 19: 12). هدف العزوبية هو أن يكرّسوا حياتهم للرب، بلا توزّع في القلب، ويبذلوا أنفسهم لله وللناس بذلاً كاملاً.
"يختلف النظام في الكنائس الشرقية: فبينما الأساقفة لا يًختارون إلا من بين المتبتّلين، يجوز لرجال متزوجين أن يُرسَموا شمامسة وكهنة. هذه العادة تُعتَبر شرعية منذ عهد قديم، وهؤلاء الكهنة يؤدّون خدمة مثمرة في جماعاتهم. وعلى كُلّ، فبتولية الكهنة هي موضوع إجلال عظيم في الكنائس الشرقية، وكثيرون هم الكهنة الذين آثروها طوعاَ، لأجل ملكوت الله. ولكن في الشرق كما في الغرب لا يجوز لمن قبل سر الكهنوت أن يتزوّج (بعد رسامته)." (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1577 - 1580).
الاحتفال بهذا السرّ:
"الطقس الجوهري في سرّ الكهنوت قوامه، في الدرجات الثلاث، أن يضع الاسقف يده على رأس المرتسم ويتلو صلاة التكريس الخاصة التي يطلب فيها الى الله أن يفيض الروح القدس عليه ويجود بالمواهب المنوطة بالخدمة التي يُنْتَدَب لها المرتسم."
تختلف الطقوس بين الكنائس المختلفة، على الرغم من أن الهدف واحد، ألا وهو التعبير عن مختلف وجوه النّعمة السرية التي تُمنَح للمرتسم. في الكنيسة اللاتينية يكون طقس الرسامة الكهنوتية كالتالي:
- يُقَدَّم المرشَّح للأسقف، وتُعطى شهادة من قِبَلِ الذين يعرفونه بأنه وُجِدَ جديرًا بالرسامة؛ فيعلن الأسقف أنه يختار المرشح ليمنحه الرسامة.
- أمام الأسقف وجماعة المؤمنين، يُعرِب المرشّح عن رغبته في القيام برسالته الكهنوتية وفقًا لفكر المسيح والكنيسة (بحياة صلاة وخدمة وتضحية)، وتحت قيادة الأسقف. حينئذٍ يضع يديه في يدي الأسقف، ويتعهّد بالعيش في شركة معه ومع خلفائه، باحترام وطاعة.
- صلاة طلبة جميع القديسين.
- وضع أيدي الأسقف مع تلاوة الصلوات الخاصة بالرسامة: من خلال وضع الأيدي على المرتسمين الجدد، نفهم أن الرسالة التي يأتمنهم عليها المسيح تنتقل الآن إليهم عبر أيدي الرسل وخلفائهم. بعد الأسقف يقوم الكهنة بوضع أيديهم على المرتسم. تلي ذلك صلاة الرسامة التي يطلب فيها الأسقف أن يملأ الله المرشح بالروح القدس والحكمة، ويمنحه النعمة لحياة كهنوتية مقدسة.
- إلباس المرتَسَم الجديد ثياب الكاهن: البَطرشيل (stola) وبدلة القداس (Casula).
- يمسح الأسقف راحتي يدي الكاهن الجديد بالزيت المقدس الممزوج بالعطر، وهو يُسمى الميرون. تُشير هذه المسحة إلى موهبة الروح القدس التي تُقوّي الكاهن "ليُقدِّس الشعب المسيحي".
- تسليم الصينيّة والكأس للكاهن الجديد من قِبَل الأسقف، وهما تقدمة الشعب المقدس التي يجب على الكاهن أن يقرّبها لله.
- قبلة السلام التي تُعَبِّر عن الشركة بين الكاهن الجديد والأسقف.
بعض الفروقات بين الأساقفة والكهنة والشمامسة في ما يخص طقس رسامتهم:
- تُعطى مسحة زيت الميرون في رسامة الأساقفة والكهنة فقط. أما في رسامة الشمامسة، فليس هناك مسحة بزيت الميرون.
- في رسامة الشمامسة والكهنة، يتمّ وضع الأيدي من قِبَل أسقف واحد فقط. أمّا في رسامة الأساقفة، فيتمّ وضع الأيدي من قِبَل ثلاثة أساقفة على الأقل.
- في خلال الرسامة، يتمّ تسليم الأسقف الجديد كتاب الإنجيل والخاتم والتاج والعصا، رمزاً لمسؤوليته الرسولية في التبشير بكلمة الله، وأمانته للكنيسة عروس المسيح، ورعايته لقطيع الرب؛ بينما يتمّ تسليم الكاهن الجديد صينيّة وكأس رمزاً لاحتفاله بسرّ الافخارستيّا؛ أما الشماس الجديد، فيتم تسليمه كتاب الإنجيل، إذ أن الشماس منتدَب لإعلان إنجيل المسيح.
مفاعيل سر الكهنوت
إن سر الكهنوت، بنعمة خاصة من الروح القدس، يجعل الكاهن على صورة المسيح أي يجعله أهلاً لأن يمثّل المسيح رأس الكنيسة في وظائفه الثلاث: بصفته كاهناً ونبياً وملكاً. يولي سر الكهنوت للشخص المُرتَسَم وسماً روحياً لا يبلى؛ من هنا نفهم أنه لا يتكرّر ولا يمكن منحه بطريقة وقتية (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1581 - 1582).
قصص أخرى مقترحة

Helvetica Light is an easy-to-read font, with tall and narrow letters, that works well on almost every site.



