سرّ الزّواج
مقدمة
خلق الله الرجل والمرأة أحدهما للآخر لكي يتّحدا، "ولذلِكَ يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرانِ جَسَدًا واحِداً" (تكوين 2: 24). يعيشان هكذا حباً متبادلاً، ويثمران من خلال إنجاب الأولاد وتربيتهم، فيصبحان علامة لله الذي ليس سوى حبٍّ فيّاضٍ (رَ التعليم المسيحي الكاثوليكي للشبيبة، 260)
ما هو سرّ الزواج؟
إنّ عهد الزواج، الذي تنشأ به شركةٌ بين رجلٍ وامرأة تشمل الحياة بأسرها، ويهدف بطبيعته إلى خير الزوجين وإنجاب البنين وتربيتهم، قد رقّاه الربّ يسوع، بين المعمَّدين، إلى كرامة السرّ.
إنّ الله، الذي خلق الإنسان بدافع المحبّة، دعاه أيضًا إلى أن يحبّ، فالدعوة إلى الحبّ هي دعوة أساسية وفطريّة مغروسة في كيان كلّ إنسان؛ ألدعوة إلى الزواج منقوشة في طبيعة الرجل والمرأة كما خلقهما الله، فالزواج بينهما ليس مجرّد مؤسسة بشرية بحتة ، بل هو يعكس إرادة إلهية "منذ بدء الخليقة" (مرقس 10: 6). ألمرأة هي لحمٌ من لحمِ الرجل، اي مساويةً له وقريبةً منه وقد وهبها الله عوناً له، تُمَثِّل الله الذي منه تأتي "معونتنا" (مزمور 121: 2)، ويؤكّد الكتاب المقدس: "ليس حسناً أن يبقى الانسان وحده ... لذلِكَ يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرانِ جَسَدًا واحِداً " (تكوين 2: 18، 24).
عندما يتزوج الرجل والمرأة، يؤسسان عائلةً جديدة مختلفة عن تلك التي نشأوا في حضنها (كلاهما يتركان أباهم وأمهم)، وتنشأ بينهما وحدة لا تنفصم. هذا ما يبيّنه الرب نفسه مذَكِّرا ما كان قصد الله "منذ البدء": "فلا يكونانِ اثنَينِ بعدَ ذلكَ، بل جَسَدٌ واحد. فما جمَعَه الله فلا يُفرِّقنَّه الإِنسان" (متى 19: 6). وقد بارك الله هذا الحب وجعله خصباً، كما يقول الكتاب المقدّس: "وباركهم الله وقال لهم: أُنموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها" (تكوين 1: 28).
في العهد القديم، رأى الأنبياء في العهد الذي قطعه الله مع شعبه إسرائيل صورةً حيّةً للحبِّ الزوجيّ الحصريّ، القائمٍ على الإخلاص والأمانة؛ من خلال هذه الخبرة (وفاء الله لعهده، وأمانته لشعبه رغم أخطاء الشعب المتكررة) هيّأ الأنبياء ضمير الشعب المصطفى لأن يتفهَّم بعمقٍ وحدانيّةَ الزواج وديمومتَهُ. وإننا لنجد في سِفرَي راعوت وطوبيّا إثباتاتٍ مؤثِّرةً لسموّ معنى الزواج والأمانة والتوادّ بين الزوجين.
في العهد الجديد، يُعَلِّمُنا بولس الرسول بقوله: "أَيَّها الرِّجال، أَحِبُّوا نِساءَكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكَنيسة وضَحّى بِنَفسِه مِن أَجْلِها لِيُقدَسَها" (أفسس 5: 25-26) ويُضيف فوراً: " ولِذلِك يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرُ الاِثْنانِ جَسَدًا واحِدًا. إِنَّ هذا السِّرَّ لَعَظيم، وإِنِّي أَقولُ هذا في أمرِ المسيحِ والكَنيسة". لذلك، فإن الحياة المسيحيّة كلَّها تحمِل طابعَ العهد والحبّ الزوجيّ القائمِ بين المسيح والكنيسة. أما الزواج بين المعمّدين، فهو عبارةُ هذا العهد ووسيلةُ نعمته - أي أنه، من خلال الزواج، يفعلُ المسيح في حياة الزوجين، بقوة الرّوح القدس، ويمنحهما نضجاً روحياً وتحوّلاً داخلياً لينجحا في مشروع حياتهما. لذا، فالزواج سرٌّ حقيقيّ من أسرار العهد الجديد (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: 1601-1606، 1616-1617)
مِيَز الحب الزوجيّ ومقتضياته
للزواج المسيحي ميزتان جوهريّتان هما "الوِحدة" و"الديمومة" (الحق القانوني للكنيسة اللاتينية، 1056)، ويقتضي الزواج المسيحي "الأمانة" و"الانفتاح على الخصب".
- إن الوحدة في الزواج المسيحي لا تعني فقط الارتباط الجسدي (الذي هو حصريّ بين الزوج وزوجته في إطار الزواج)، بل تعني أيضاً الاتّحاد الروحي العميق بين الزوج والزوجة، ووحدة الإرادة لاتخاذ القرارات سويّاً بروح المحبة والتفاهم، ووحدة الأهداف في الحياة. تعدّد الزوجات والطلاق ينافيان وحدة الزواج. "ألزواج لا يُفصَمُ لثلاثة أسباب: أولاً، لأن بذل الذات المتبادل من دون تحفّظٍ يتناسبُ مع جوهر الحبّ؛ ثانياً، لأن الزواج هو على صورة أمانة الله المطلقة تجاه خليقته؛ وهو لا يُفصَمُ لأنه علامةُ بذل المسيح ذاتَه للكنيسة حتى الموت على الصليب" (رَ التعليم المسيحي الكاثوليكي للشبيبة، 263)
تعني الديمومة أن الزواج المسيحي يستمر مدى الحياة وهو غير قابل للانفصام. ليس الزواج المسيحي عقداً مؤقتاً أو قابلاً للفسخ، بل هو اتّحاد مقدس بين رجل وامرأة أمام الله، لا يُفرّقه إنسان. تُصبِح الديمومة ممكنةً عندما يشترك الزوجان في حياة الإيمان وفي الافخارستيا وفي سر الاعتراف، ويحتملان بعضهما بعضاً بالصبر والمحبة، ويمارسان الغفران المتبادل، لاجئين إلى النعمة الإلهية في الأوقات الصعبة.
واجب الأمانة مشتقّ من طبيعة الزواج المسيحي الذي نَنظُر إليه كعهد لا يُنقض بين الزوجين أمام الله. تقتضي الأمانة إقصاء كل علاقة خارج الزواج: لا يقتصر الأمر على تجنّب الخيانة الجسدية، بل يتطلّب أيضاً صدقاً داخلياً (أي أن يكون كلٌّ من الزوجين صادقًا مع الآخر في مشاعِرهِ وكلامِهِ وأفعالِهِ)، وثباتاً في الحب (أي الاستمرار في محبة الشريك حتى في وقت الصعوبات)، ووفاءً في كل الظروف. وبما أن الزواج المسيحي هو سرٌّ مقدّس، فالأمانة ليست فقط تجاه الشريك، إنما هي أيضًا تجاه الله الذي بارك هذا الزواج.
الانفتاح على الخصب هو أن يقبل الزوجان المسيحيان بمحبة ومسؤولية إمكانية إنجاب الأطفال، وأن يرَوا في ذلك دعوةً إلَهيّةً للمشاركة في خلق الحياة وتربيتها. إنجاب الاطفال هو ثمرةٌ طبيعيّة للمحبة بين الرجل والمرأة، وليس فقط نتيجةً بيولوجية للعلاقة بين الزوجين. الامتناع المتعمّد عن الإنجاب بدافع الأنانية يُعَدُّ رفضًا لجوهرِ الحبّ المسيحيّ. أما أولئك الذين لا يُرزَقون بأطفال جسديًا على الرغم من رغبتهم، فبوسعهم أن يكونوا مثمرين روحيًا من خلال خدمة الآخرين - الفقراء بشكل خاصّ، ومن خلال تفانيهم في خدمة الكنيسة والمجتمع.
الرّضى الزوجيّ والتحضّر للزواج
تَعتَبر الكنيسة تبادل الرّضى بين الزوجين عنصراً أساسيّاً "مكوّناً" للزواج. فإذا انتفى الرضى، ليس ثمّة من زواج. يُعرِبُ الرجل والمرأة عن رضاهما ورغبتهما الصادقة في الارتباط ببعضهما البعض خلال الاحتفال بالزواج عندما يقولون "أقبلُكِ زَوجَةً لي ..."، "أقبلُكَ زوجاً لي ...". على كلٍّ من الزوجين ان يقول كلمات الرّضى بفعلِ إرادةٍٍ حرّ، وليس تحت تأثير ضغطٍ خارجيّ شديد أو خوفٍ. فاذا انتفت حريّة أحد الزوجين (أو كليهما) عند تبادل الرّضى، كان الزواج باطلاً.
"لكي يكون وعد الزوجين عملاً حرّاً ومسؤولاً، ولكي يقوم الميثاق الزوجيّ على أسُسٍ بشريّهٍ ومسيحيّهٍ راسخة ودائمة، لا بدّ من اعتبار التأهُّبِ للزواج واجباً في غاية الأهمّيّة" (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: 1603-1606، 1616-1617). على عاتق الأهل والعائلات تقع المسؤولية الأساسيّة لمثل هذا التأهيل، من خلال الأمثلةِ والدروس الحياتية التي يقدِّمونها لأبنائهم وبناتهم داخل منزل الأسرة. تُضاف إلى ذلك مهمّة الرعاة والجماعة المسيحيّة في تنشئة الشباب في الرعايا، خاصّةً في هذا الزمن الذي نرى فيه الكثير من الشبّان والبنات يعانون خبرة البيوت المحطمّة التي لم تعد تؤمّن التربية للقيم الإنسانية والمسيحيّة بشكلٍ كافٍ.

الاحتفال برتبة سرّ الزواج:
تختلف الطقوس الليتورجية في الكنائس المختلفة. في الكنيسة اللاتينية:
1- استجواب العروسين: يستجوب الكاهن (أو الشماس) العروسين ليتأكّد من حرّية قرارهما، والتزامهما بالمحبّة والاحترام المتبادل، وانفتاحهما على إنجاب البنين وتربيتهم:
- يا فلان ويا فلانة، هل جِئتما هنا لتعقدا الزواج بحرية تامة ورضىً أكيد وبلا إكراه؟
- هل أنتما مستعدان لأن يبادِل كلٌ منكما الآخرَ المحبة والاحترام طوال أيام حياتِهِ؟
- هل أنتما مستعدان لأن تقبلا البنين بحبٍّ من يد الله، وأن تربّياهم بموجب شريعة المسيح والكنيسة؟
ينبغي عليهم الإجابة بنعم على كل من هذه الأسئلة.
ثم يسأل الكاهن العريس أولاً: "يا فلان، هل تريد أن تتخذ فلانة الحاضرة هنا زوجةً لك، وهل تعِدُ أن تكون لها أميناً في الضيق والرخاء، في المرض والصحّة، فتحبَّها وتكرّمها طول أيام حياتك؟"، ثم يسأل العروس بنفس الكلمات بصيغة المؤنث، وكلٌّ منهما يجيب "نعم أريد". حينئذٍ يدعو الكاهن ببركة الله على الزوجين.
2- مباركة الخاتمين وتسليمهما:. بعد مباركة الخاتمَين، يُسَلِّمُهم الكاهن للعريسين، فيضع كلٌّ منهما الخاتم في بنصر الآخر قائلاً أن هذا الخاتم هو رمزٌ إلى محبّته وأمانته.
3- صلاة المؤمنين من أجل العريسَين الجدد.
4- مباركة العروسين: يتلو الكاهن بركةً خاصّة على العروسَين.
"تُسَمّى رتبة سرّ الزواج، بحسب الطقس الماروني، "رتبة الإكليل"؛ وبحسب الطقس البيزنطيّ، "خدمة الإكليل". لا يَحتفل الكاهن برتبة الزواج، بل برتبة تكليل العروسَين. تتضَمَّنُ رتبة الإكليل، بحسب الطقس الماروني، الأقسام الآتية: أوّلاً، خدمة الكلمة كاملةً، ثم يَتمُّ تبادلُ الرّضى بين العروسَين من خلال اﻠ"نَعَم" التي يقولانها جواباً عن سؤال المحتفل. بعد ذلك، يُعلنان العهدَ من خلال صلاةٍ يتلونها معا. عندها، يُبارِك الكاهن زواجَهما، ويبارك الخاتَمَين ويُلبِسهما ايّاهما. بعد ذلك، يُبارِك الإِكليلَين، ويُكَلِّل بهما رأسَي العروسَين. وتُنشد الجماعة نشيداً خاصّاً للمناسبة. من ثمّ يَرفع المحتفل الإكليلَين ويبارِكُ الإشبينَين، ويَمنحُ الجميعَ البركةَ الخِتاميّة. أمّا في الطقس البيزنطيّ، فيجري استجواب العروسين؛ فيُجيبُ كلٌّ منهما (بصوتٍ واضح): نَعَم. ثُمَّ يُكلِّلُ المحتفلُ العروسين راسماً على رأسَيْهِما شكلَ صليب. بعدَ ذلك، يُصارُ إلى تلاوةِ القراءات الكتابيّة. ثُمَّ يَسقي الكاهنُ العريسَ وَالعروسَ والإشبينَين من كأسِ الخمر. بعد ذلك يتمّ التطوافُ بالعروسَين والإشبينَين حولَ المائدةِ الصغيرة. ثُمَّ يتمُّ رفع الإكليلَين وتُختتَم الخدمة." (رَ التعليم المسيحي الكاثوليكي للشبيبة، 266)
العائلة هي "كنيسة مُصغَّرة"
عندما كان المسيحيون الأُوَل يهتَدون إلى الإيمان، كانوا يرغبون لكل "أهلِ بيتهم" أن ينالوا الخلاص (أعمال الرسل 11: 14؛ 16: 31). أصبحت هذه العائلات التي اعتنقت الإيمان جُزُرَ حياةٍ مسيحيةٍ وسط عالمٍ غير مؤمن. عندما يلتزم الوالدان بعيش إيمانهم قولاً وفعلاً في حياتهم اليومية، تُصبِحُ العائلة موقِدَ إيمانٍ حيٍّ ومشعّ في المجتمع. "هكذا يصبح البيت أوَّلَ مدرسةٍ للحياة المسيحية تُكسِب البنينَ "ثروةً إنسانيّة". في البيت يتعلّم الولد الصبر وبهجة العمل، والمحبة الاخوية، والسخاء في الصفح وإن تكرَّر، وخصوصاً العبادة الالهيّة بالصلاة وتقدمة الحياة". (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: 1655-1658)
قصص أخرى مقترحة

Helvetica Light is an easy-to-read font, with tall and narrow letters, that works well on almost every site.



