top of page

سرّ التّثبيت (الميرون)

ما هو سرّ التّثبيت؟

"وَلَمَّا أتىَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا". (أعمال الرّسل 2: 1-4)

"وسَمِعَ الرُّسُلُ في أورَشَليم أَنَّ السَّامِرَةَ قَبِلَت كلِمَةَ الله، فأَرسَلوا إِلَيهم بُطرُسَ ويوحنَّا، فَنَزلا وصَلَّيا مِن أَجْلِهم لِيَنالوا الرُّوحَ القُدُس، لأَنَّه لم يَكُنْ قد نَزَلَ بَعدُ على أَحدٍ مِنهم، بل كانوا قدِ اعتَمَدوا باسمِ الرَّبِّ يَسوعَ فقط. فوَضَعا أَيدِيَهما علَيهم، فنالوا الرُّوحَ القُدُس." (أعمال الرّسل 8: 14-17)

منذ ذلك الحين، أخذ الرّسل يضعون الأيدي على الذين نالوا حديثًا سر المعمودية، امتثالاً لإرادة المسيح، ويمنحونهم موهبة الرّوح القدس مكمّلة نعمة المعموديّة. ويرى التقليد الكاثوليكيّ بحقّ، في وضع الأيدي، جذور سرّ التثبيت الذي يواصل، نوعاً ما، في الكنيسة، موهبة العنصرة (رَ بولس السادس، "مشاركون في الطبيعة الإلهية"، مذكور في التّعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، 1288).

بناءً على ذلك، يُعدّ سرّ التثبيت واحدًا من أسرار التنشئة المسيحية الثلاثة: المعمودية، والتثبيت، والإفخارستيا، والتي تُسمّى أيضًا 'الأسرار المُدخِلة إلى الحياة المسيحية'، لأنها تُرسّخ دعائم كل حياة مسيحية. قُبول هذا السّرّ ضروري لإنجاز نعمة المعموديّة لأنه "يهب الروح القدس ليرسّخنا ترسيخاً أعمق في البنوّة الإلهية، ويدمُجَنا بوجه أكثر ثباتاً في جسد المسيح، ويوثّق ارتباطنا بالكنيسة، ويشركنا أكثر في رسالتها، ويساعدنا في أداء شهادة الإيمان المسيحي قولاً وعملاً" (التّعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، 1285، 1315).

هذا السّر هو عنصرة جديدة في حياة المؤمنين: فكما أن الروح القدس، منذ حلوله على الرسل يوم العنصرة، ملأهم قُوةً وجُرأةً ليُجاهروا بإيمانهم، وفتح أذهانهم ليفهموا أقوال الأنبياء وكلمة الله بأسرها ، وأعطاهم الحكمة والفهم ليعرفوا كيف يشهدون للمسيح، وسكب محبته في قلوبهم فصاروا قلباً واحداً ونفساً واحدة، هكذا أيضاً يفعل فينا الروح القدس من خلال سر التثبيت.

"يُسَمّى هذا السرّ، في الشرق، "سرّ المسحة"، أي المسحة بالزيت المقدس، أو الميرون. تسمية هذا السرّ بسرّ "التثبيت"، في الغرب، توحي بأنّ هذا السرّ يثبّت المعموديّة، وفي الوقت عينه يوطّد النعمة العماديّة" (التّعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، 1289).

علامات سرّ التّثبيت

المسحة بالزيت المقدّس (الميرون): ترمز "المسحة" لأشياء كثيرة: فالزيت هو رمز للوفرة (تثنية الاشتراع 11: 14) والبهجة (مزمور 23: 5؛ 104: 15)، ووسيلة تنقية (المسحة قبل الغسل وبعده) ومرونة (مسحة الرياضيّين والمصارعين)، وهو علامة شفاء، بدليل أنه يخفّف الكدمات والجروح (أشعيا 1: 6؛ لوقا 10: 34)، ويُضفي على الجسد جمالاً وصحةً وقوة (رَ التّعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، 1293).

"الميرون" هو أحد الزيّوت الثلاثة التي يُصلّي عليها الأسقف ويباركها ويكرّسها يوم خميس الأسرار (عِلماً بأن الزيتين الآخرين هما زيت الموعوظين وزيت مسحة المرضى). يُستخدم الميرون للمسحة بعد المعموديّة، ولسرّ التّثبيت، وفي الرسامات الكهنوتية لمسح الكاهن الجديد (أو الأسقف الجديد). مسحة الميرون (الزّيت المعَطَّر) ترمز الى موهبة الروح القدس وهي تُفسّر اسم "المسيحيّ" أي "الممسوح"، المستوحى من اسم المسيح نفسه الذي "مسحه الله بالرّوح القدس" (أعمال الرّسل 10: 38). هذه المسحة لا تزال مستعملة الى أيّامنا هذه، في الشّرق كما في الغرب، ولذا يُسمّى هذا السّر في الشّرق "سرّ المسحة"، أي المسحة بالزّيت المقدّس، أو الميرون" (رَ التّعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، 1289).

كيف يُحَضّر زيت الميرون؟ في الطقس الروماني (اللاتيني)، يتكوّن زيت الميرون من عنصرين رئيسيّين هما زيت الزيتون وعطر البلسم. أمّا في الكنائس الشرقية، وفي الطقس الروماني القديم، فيتكوّن زيت الميرون من مجموعة أعشابٍ عطريّة، ويُطبَخ برتبة احتفالية مع صلوات خاصة. يتكوّن زيت الميرون، عند بعض الكنائس، من عشرين نوع عشبة عطريّة أو أكثر.

وضع اليد: هو تقليد من الرّسل الذين كانوا يضعوا أيديهم على المعمَّدين لمنحهم موهبة الروح القدس، بناءً على تقليد قديم (تثنية الاشتراع 34: 9). ترمز هذه الحركة إلى أن موهبة الروح القدس تُمنح للمؤمنين بواسطة الكنيسة، جسد المسيح، بيدي الرسل وخلفائهم الذين أوكل إليهم المسيح هذه السلطة.

الإشبين (أو الإشبينة)

يجب أن يكون لطالب التثبيت إشبين (أو إشبينة)، كلما كان ذلك ممكناً. هو شخص يختاره طالب التثبيت، وعليه أن يكون قد أتمّ السادسة عشرة، أن يكون تابعاً للكنيسة الكاثوليكيّة، مثبّتاً، وقد قَبِل الإفخارستيا، وهو يسير سيرة إيمان تتّفق والمهمة التي يقبلها. من المناسب ان يؤخذ إشبيناً من قام بالمهمة نفسها في المعمودية (مجموعة الحق القانوني، 874، 892-893). هو يرافق المُثَبَّت الجديد في مسيرته الروحية، ويشجّعه على الثبات في طريق الله وفي الإيمان بيسوع المسيح وفي ممارسة أسرار الكنيسة.

يتم تجهيز الأشابين مُسبَقاً لهذه المسؤوليّة التي يقبلونها أمام الله والكنيسة، وفي لحظة قبول السرّ، يضع الاشبين يده اليُمنى على الكتف الأيمن لطالب التثبيت، علامةً لسَنَدِهِ ومرافقته له.

سرّ التّثبيت (الميرون)

الاحتفال برتبة سرّ التّثبيت في الكنيسة:

المحتَفِل بسرّ التثبيت (او خادم السّرّ) هو الأسقف، أو الكاهن بإذن خاص من الأسقف.

· تبدأ رتبة سرّ التثبيت بعد "خدمة الكلمة" وقبل "خدمة القرابين".

· قبل العظة: يُدعى طالِبو التثبيت، كلٌّ باسمه، ليقفوا أمام الأسقف، فيجيب كلٌّ منهم: 'هاءنذا'. ثمّ يستجوبهم الأسقف عمّا يطلبونه من كنيسة الله.

· بعد العظة: يطلب الأسقف من طالِبي التثبيت، ومن الأهل والأشابين، أن يجدّدوا مواعيد عمادهم.

· صلاة وضع الأيدي على طالِبي التثبيت.

· ينادي المسؤول طالبي التثبيت، كلًّا منهم باسمه، فرديًا، مع إشبينه أو إشبينته، للمثول أمام الأسقف، فيقف الإشبين إلى جانبه، واضعاً يده اليمنى على كتفه.

· يغمس الاسقف طرف إبهام يده اليمنى في زيت الميرون، ويرسم بالإبهام علامة صليب على جبين طالب التثبيت، ويقول: "إقبل وسم موهبة الروح القدس"، ويجيب المثبَّت: "آمين".

· يقول الأسقف للمُثَبَّت "السلام لك" (مع إمكانية إعطاء صفعة لطيفة للمثَبَّت، علامةً لقوة الروح القدس الذي يوقظنا لنكون جاهزين لرسالتنا المسيحية)، ويجيب المُثَبَّت "ومع روحك أيضاً".

مواهب الروح القدس

1. الحكمة: تقود الإنسان إلى معرفة الامور الإلهية والتعمق فيها.

2. الفهم: يقودنا إلى فهم الكتب المقدسة، والتعمًق في حقائق الإيمان، ويمدّ العقل البشري بنور روحي يمكّنه من فهم أسرار الدين المسيحي في جوهره.

3. المشورة: تُجَنِّب الإنسان الطيش والتسرَع والادّعاء، وأخطاره على الحياة الروحية، فالذي يتخذ قرارته دون استلهام الله والعودة إليه، يقع في ضلال، فهو يعبد نفسه ويعظّمها، بدلاً من ان يعبد الله ويمجَده "لأن كل عطية صالحة وكل موهبة كاملة هي من لدنك يا ابا الأنوار". والمسيح نفسه أعطانا مثلاً في ذلك، فلم يفعل شيئاً دون إستشارة أبيه السماوي، لذلك قال عن نفسه: "لا يستطيع الإبن أن يفعل شيئًا من عنده إلاَ إذا رأى الآب قد صنعه" (يوحنا 5: 19).

4. القوة: تمكّن الإنسان من العمل بحسب رغبة الله لمجابهة الشدائد واحتمال المحن والمصائب. فنشعر، مهما صعبت الحياة وقست علينا، أن الله معنا: "إذا كان الله معنا فممن نخاف؟". كما فعل الله مع موسى عندما طلب منه إخراج الشعب اليهودي من مصر، قال له: "إني أكون معك" (خروج 3: 12). وهكذا نقوى على: "إطاعة الله لا الناس" (أعمال الرسل 4: 19)، حتى ولو هُدِّدنا بسفك دمِنا، وقد أوتي جميع الشهداء هذه القوَة ففضلوا الموت على الكفر أو نكران الله ومسيحه وكنيسته.

5. العلم: يُرينا الأشياء على نور روحي سامٍ. إن الملحد يرى الطبيعة والناس والأشياء بنوره الطبيعي، أما المؤمن فيرى ذلك بالنور الذي يفيضه عليه الروح القدس. فيرى في الطبيعة والناس والجمال صورة الله البهية، فيجتنب ما من شأنه أن يوقعه في مهاوي الضلال، ويمشي إلى غايته الأخيرة معتمدًا الوسائل الناجعة التي توصله إليها.

6. التقوى: تُهيمن التقوى على علاقات الإنسان بالله وتوطَدها على أسس صحيحة وثابتة. فهي مزيج من عبادة واحترام بَنَويّ للآب السماوي.

7. مخافة الله: هي لا تعني الخوف، خوف القصاص، كخوف العبيد من أسيادهم، بل تعني الخوف من إهانة الله بالخطيئة. تحدّث عنها أشعيا النبي عندما تنبّأ عن السيد المسيح قائلاً "أنه يتنعم بمخافة الرب" (أشعيا 11: 1). هي الرهبة التي يشعر بها الملائكة في حضرة الله، ومصدرها المحبة والاحترام والعبادة، كما يقول المزمور: "خشية الرب طاهرة ثابتة إلى الأبد" (مزمور 18: 10). وعن روح المخافة هذا تحدَث بولس الرسول قائلاً: "لم تتلقَوا روحاً يستعبدكم ويردكم إلى الخوف، بل روحًا يجعلكم أبناء وبه ننادي: يا أبتاه" (رومة 8: 14).

(المطران كريكور كوسا – مصر. رَ:

 https://abouna.org/article/%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%87%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3)

مفاعيل سّر التثبيت:

·  يُفيض سرّ التثبيت الروح القدس في حياتنا، كما أفيض في الرّسل يوم العنصرة.

· يُرَسِّخ التثبيت نعمة المعمودية التي تجعلنا أبناء الله.

· يزيدنا التثبيت ثباتاً في اتحادنا بالمسيح، ويُنعِم علينا بمواهب الرّوح القدس، ويجعل ارتباطنا بالكنيسة أكمل.

· يمنحنا التثبيت قوّةً لنشر الايمان ليس بالكلام فقط انّما بالعمل، لنشهد بالمسيح ونعترف به بشجاعة ولا نستحي بصليبه.

ثمار الرّوح القدُس:

يحمل عمل الرّوح القُدس ثماراً جميلة في حياتنا، كما نفهم من القديس بولس: " وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. (غلاطية 5: 22-23)

فرق بين الطقوس الشّرقيّة والغربيّة

- في الطقس الشرقيّ، يُمنح سر الميرون خلال الاحتفال بسرّ المعموديّة، فينال الإنسان أسرار التنشئة المسيحيّة الثلاثة معًا: المعموديّة، التثبيت والافخارستيا.

- في الطقس الغربي، يُمنح سرّ المعمودية في مرحلة الطفولة، فيما يُمنح السرّان الآخران لاحقًا، عندما يبلغ الطفل سنًّا يُتيح له إدراك معنى السرّ الذي يحتفل به. ويُشكّل حينئذٍ زمن التحضير لقبول هذين السرّين فرصةً ثمينة للتعمّق في معرفة الإيمان. أمّا البالغون الذين يطلبون المعمودية، فينالون أسرار التنشئة المسيحية الثلاثة معًا: المعمودية، والتثبيت، والإفخارستيا، وذلك بعد فترة تحضير طويلة نسبيًّا.

Game2

Game2

<div style=”width: 100%; Height:100%;">

<iframe

src="https://www.educaplay.com/game/23556551-learning_resource.html"

style="position: absolute; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; border: none;"

allowfullscreen>

</iframe>

</div>

أسرار أخرى مقترحة

سرّ الزّواج
سرّ الزّواج
مقدمة خلق الله الرجل والمرأة أحدهما للآخر لكي يتّحدا، "ولذلِكَ يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرانِ جَسَدًا واحِداً" (تكوين 2: 24). يعيشان هكذا حباً متبادلاً، ويثمران من خلال إنجاب الأولاد وتربيتهم، فيصبحان علامة لله الذي ليس سوى حبٍّ فيّاضٍ (رَ التعليم المسيحي الكاثوليكي للشبيبة، 260)
	سرّ الكهنوت
سرّ الكهنوت
مقدمة سرّ الكهنوت هو السرّ الذي يضمن استمرار الرسالة التي أوكلها المسيح إلى رسله، فتبقى حيّة وفاعلة في الكنيسة حتى منتهى الأزمنة. هو إذاً سرّ "الخدمة الرسولية"، ويتضمّن ثلاث "رُتَب": الأسقفيّة والكهنوتيّة والشمامسيّة (رَ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1536)
سرّ مسحة المرضى
سرّ مسحة المرضى
مقدمة إن شفقة المسيح على المرضى وشفاءه الكثيرين منهم تشهد على أن "الله قد افتقد شعبه" (لوقا 7: 16). منَحَ يسوع تلاميذه سلطة وَضْعِ الأيدي على المرضى ومَسْحِهِم بالزيت لكي يتعافوا (مرقس 6: 13، 16: 17)، وبهذه السلطة نفسها يُمارِسُ الأساقفة والكهنة اليوم مسحة المرضى لجميع المحتاجين إليها
bottom of page