إنجيل يوحنا
إنجيل يوحنا هو رابع أسفار العهد الجديد
وبحسب الآية يوحنا 21: 24، فإن مؤلِّف هذا الإنجيل هو « التلميذ الذي كان يسوع يحبّه »، وهو التلميذ الذي ذُكر مرارًا في أحداث الفصح (يوحنا 13: 23؛ 19: 26؛ 20: 2)، ويُرجَّح أنه هو نفسه "التلميذ الآخر" الذي ورد ذكره في أماكن أخرى من الإنجيل دون أن يُسمّى صراحة (يو 1: 35 - 39؛ 18: 15 - 16).
ألتقليد الكنسيّ في القرون الأولى يكاد يُجمع على أن يوحنّا ابن زبدى، أحد الاثني عشر، هو ذلك « التلميذ الذي كان يسوع يحبّه ». وهناك معطيات في الإنجيل تحُثّ على الاعتقاد أن الإنجيل كُتب صوب نهاية القرن الأول في أفسس، في آسيا الصغرى.
يشرح يوحنا سبب كتابته للإنجيل، موضحًا أنه لم يَكتُب مجرد سردٍ تاريخي، بل شهادة تهدف إلى إيقاظ الإيمان بالمسيح، ابن الله: "وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه" (يوحنا 20: 31). لذلك نرى أن يوحنا يُرفق أحداث الإنجيل بتعاليم مطوّلة تساعدنا على فهم معنى الأعمال التي يقوم بها يسوع بشكل أعمق، لنؤمن به، ونتقدّم في معرفة الله، وننال الخلاص؛
والأمثال لذلك كثيرة، ههنا بعضها:
- طرد الباعة من الهيكل، قبيل عيد الفصح اليهودي (2: 13 – 22)، هو مناسبة يفسّر فيها يسوع أن جسده هو هيكل الله الحقيقي.
- في لقائه مع المرأة السامرية (4: 1 – 26)، يطلب يسوع من المرأة أن تسقيه ماءً، ويتحول هذا الطلب إلى مناسبة للتكلم عن الماء الحي الذي يعطيه يسوع (الروح القدس) للذين يطلبونه، فيصير فيهم عين ماء يتفجَّر حياةً أبديّة.
- شفاء الرجل المُقعَد منذ ثمانٍ وثلاثين سنة، يوم السبت (5: 1 – 9)، يتحوّل إلى مناسبة يتحدث فيها يسوع عن علاقته بالآب، وعن السلطة التي منحه إياها الآب: أن يقيم الموتى، ويدين الأحياء والأموات.
- آية إكثار الخبز والسمك قبَيل عيد الفصح اليهودي (6: 1 – 15) تشكّل مناسبة للكلام عن سرّ الإفخارستيا، حيث يُقدَّم جسد المسيح ودمه طعامًا وشرابًا حقيقيَّين يمنحان الحياة الأبدية لمن يتناولها.
- بمناسبة صعوده إلى أورشليم في عيد المظال (يوحنا 7) - الذي كان اليهود يستقون فيه ماء من نبع سلوام، ويسكبونه على أحد قرون مذبح المحرقة، مصلّين من أجل المطر ؛ وكانوا يضيئون فوانيس ضخمة، فتغمر الأنوار مدينة أورشليم، وكأنها في وضح النهار -، دعا يسوع المؤمنين قائلاً: " إِن عَطِشَ أَحَدٌ فليُقبِلْ إِلَيَّ، ومَن آمنَ بي فَلْيَشَربْ كما ورَدَ في الكِتاب: ستَجْري مِن جَوفِه أَنهارٌ مِنَ الماءِ الحَيّ" (7: 37 – 38)، وفي سياق هذا العيد علّمهم قائلاً: " أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة " (8: 12).
- في عيد تدشين الهيكل، الذي كان اليهود يذكرون فيه تطهير الهيكل بعد تدنيسه بأيدي السلوقيين في عهد أنطيوخس إبيفانس، وتكريس المذبح الجديد، علّم يسوع الشعب أنه هو ابن الله الذي "قَدَّسَه الآبُ وأَرسَلَه إِلى العالَم" (10: 36).
من خلال هذه الأمثال، نفهم لماذا يفضّل هذا الإنجيل التكلم عن "الآيات"، وليس عن العجائب التي قام بها يسوع، لأن الآيات ليست فقط علامات قوة, بل تدل على المخلص الحقيقي وتوحي بما للأحداث والأعمال من معانٍ متعدّدة. نرى أيضاً من خلال الأمثال أن يسوع منح للأعياد اليهودية (الفصح، المظال، تدشين الهيكل) معانٍ جديدة على ضوء تجسده، وموته وقيامته من بين الاموات.
يحتوي إنجيل يوحنا تعاليم لاهوتية أساسية بشأن شخص المسيح وعمل الروح القدس:
- نجد في مقدمة الإنجيل تأكيدًا واضحًا على أُلوهية المسيح: " في البَدءِ كانَ الكَلِمَة، والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله. كانَ في البَدءِ لَدى الله، بِه كانَ كُلُّ شَيء، وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان ... والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ " (1: 1 – 18). يُركِّز يوحنا على التعابير التي يستخدمها يسوع لإبراز هويّته: "أنا هو"، " أنا خبز الحياة"، " أنا نور العالم"، " أنا الراعي الصالح"، والتي تكشف عن كونه مصدراً للحياة والنور والحماية والخلاص؛
وهو يركّز أيضاً على العلاقة الشخصية والحية بين المسيح والمؤمن، التي ليست مجرد معرفة نظرية، بل دعوة إلى الإيمان والتوبة والالتزام والمحبة, للحصول على الحياة الأبدية. يشدّد يوحنا على الوصية الجديدة التي أعطاها يسوع: " أحبّوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم، أحبوا أنتم أيضا بعضكم بعضاً" (13: 34). المحبة هي جوهر رسالة المسيح.
- الروح القدس هو "رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب" (15: 26)؛ هو المؤيد والمعزّي الذي أرسله يسوع من لَدُن الآب، بعد قيامته من بين الأموات، ليكون فينا ومعنا دائماً، فلا نكون يتامى (14: 18). الروح القدس يقود الكنيسة ويرشدها إلى الحق كله (16: 13)، ويُنير قلوب المؤمنين ليفهموا تعاليم يسوع ويعرفوا مشيئة الله (رَ 14: 26)؛ وهو يشهد للمسيح أمام العالم، ويوبّخ الضمائر بشأن الخطيئة ويُعلّم البر الحقيقي (15: 26؛ 16: 8 – 10).
يصف إنجيل يوحنا موت المسيح على الصليب بأنه "ارتفاع" (3: 14 – 15؛ 12: 32 – 33) و"تمجيد" (12: 23؛ 13: 31 – 32؛ 17: 1) لأنه، في موت المسيح على الصليب، يتجلّى مجد الله بأسمى صورة، ويتجلّى سر الله الذي هو محبة. وقيامة المسيح هي علامة انتصار المحبة على الموت والكراهية، وانتصار النور على الظلمة.
رمز إنجيل يوحنا هو النسر, لأن النسر يُحَلِّق ويرى الأمور من علُ، مثل إنجيل يوحنا الذي يتميز بعمق البصيرة.
نذكر بشكل خاص مقدمة إنجيل يوحنا عن الكلمة الأزلي التي تعكس رؤية لاهوتية سامية.
قصص أخرى مقترحة

Helvetica Light is an easy-to-read font, with tall and narrow letters, that works well on almost every site.
