إنجيل متى
يتصدّر إنجيل متى أسفار العهد الجديد، وهو يُعطي رؤية شاملة عن حياة يسوع المسيح وتعاليمه
ألتقليد الكنسي القديم ينسب هذا الانجيل إلى متى – الذي معنى اسمه "عطية الله"؛ ويُعتقَد أن متى هو لاوي، أحد التلاميذ الاثني عشر، الذي كان عشّاراً ( قارِنوا متى 9: 9 ومرقس 2: 14)، وقد كتب الانجيل استناداً إلى معرفته الشخصية المباشرة بيسوع.
يُرجّح أن هذا الانجيل كُتِب بين سنتي 70 و90 ميلادية, بعد تدمير الهيكل سنة 70 م. إنجيل متى موجّه بشكل اساسي الى مسيحيين من أصل يهودي، وقد يكون مكان كتابته في سوريا، علماً بأن عدداً كبيراً من اليهود كان يعيش في هذه البلاد. يعكس الإنجيل التحديات الروحية والاجتماعية التي واجهها هؤلاء المسيحيين بين إخوتهم الذين لم يؤمنوا بالمسيح، وهو يشرح لهم كيف تحققت نبؤات العهد القديم في شخص يسوع.
يبدأ متى سفره بالتركيز على النسب اليهودي ليسوع ابن داود ابن إبراهيم (متى 1: 1 – 16): فهو المسيح الذي تمّم وعود الله لابراهيم بأن تتبارك به جميع الأمم (تكوين 12: 1 – 3)، وهو المسيح الملك الذي تمّم وعود العهد القديم للملك داود (2 صموئيل 7: 8 – 13).
إن هذا الربط بين القديم والجديد جوهريّ بالنسبة لمتى وللمسيحيين الذين وجّه إليهم إنجيله:
1- نرى تركيز متى على العلاقة بين يسوع وموسى في تفاصيل روايات الطفولة: فهروب العائلة المقدسة إلى مصر ونجاة الطفل يسوع من يدي الملك هيرودس، الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم، يُذكِّرنا بنجاة الطفل موسى من الموت عندما أمر فرعون بقتل كل أبناء العبريين الذكور (خروج 1) \ وفي عودة العائلة المقدسة من مصر إلى أرض الموعد، تحقّق ما قاله الرب على لسان النبي: "من مصر دعوت ابني" (هوشع 11: 1؛ خروج 4: 22 - 23).
2- يسوع، المعلم والمشترع، أتى ليكمل الشريعة الموسوية ولم يأتِ لإبطالها (5: 17 – 19). نرى ذلك في عظة الجبل الشهيرة (متى 5 – 7)، حيث صعد يسوع إلى الجبل وعلّم تلاميذه أساسات الحياة المسيحية مثلما صعد موسى إلى الجبل وأعطى شعبه الوصايا العشر والشريعة (خروج 19 – 24). يسوع هو إذاً موسى الجديد، الذي أعطانا الشريعة الجديدة.
من وجهة نظر تربوية، ينظّم إنجيل متى تعاليم المسيح بشكل يساعد على استيعابها بشكل سهل، فهو يجمعها في خمسة خطابات رئيسية، ينتهي كلّ منها بهذه الخاتمة: «ولمَّا أتمَّ يسوع هذا الكلام». وهي:
1 - فصل 5 – 7: عظة يسوع على الجبل.
2 - فصل 10: وصايا يسوع لرسله الاثني عشر قبل إرسالهم.
3 - فصل 13: سبعة أمثال حول أسرار ملكوت السماوات.
4 - فصل 18: الحياة الجماعية في الكنيسة.
5 - فصل 24 – 25: ما يلزم من سهر وأمانة في انتظار ظهور الملكوت في النهاية.
يُسلِّط إنجيل متى الضوء على مواضيع مركزية في الإيمان المسيحي والحياة المسيحية:
- ملكوت السماوات: ملكوت السماء (أي ملكوت الله) يَحضر وينمو بيننا عندما نسمح لله أن يملك على حياتنا. نحن مدعوون للصلاة كالآتي: "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأتي ملكوتك، لتكن مشيئتك ..."، وللاجتهاد لعمل مشيئة الله. يسوع، بمجيئه، جعل الله حاضراً بيننا (هذا معنى اسمه "عمّانوئيل")، وكشف لنا أسرار الملكوت (متى 13) التي تعلّمنا أن الله يملك علينا عندما نستقبل كلمته ونصغي إليها وندعها تثمر في حياتنا بالإيمان والمثابرة والمحبة.
- البرّ: "إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات" (متى 5: 20). كلمات يسوع تدعونا إلى أن لا نكتفي ببرّ ظاهري بل نعمل على تطهير قلوبنا ونوايانا الداخلية، وبعبارة أخرى أن لا تكون علاقتنا بالله مجرد طقوس والتزام ديني، بل أن تكون اتحاداً حقيقياً مع الله في القلب والسلوك (متى 5: 20 - 48).
- التلمذة: إختار يسوع 12 تلميذاً ليرافقوه في رسالته، ويحملوا هذه الرسالة إلى الآخرين (متى 10). وبعد قيامته من بين الأموات، أوصاهم قائلاً: "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض. فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به." (متى 28: 18 – 20). على تلميذ يسوع أن يحمل صليبه مع يسوع (متى 16: 24)، وفي الوقت نفسه وعدنا يسوع أن يكون الحِملَ خفيفاً، لأنه معلّم وديع ومتواضع القلب (متى 11: 28 – 30).
- حياة الكنيسة: يسعى متى إلى تزويد جماعة المؤمنين بمبادئ سلوكية تساعدهم لاتخاذ القرارات وحل النزاعات الداخلية (متى 18). يركّز متى على موضوع "ممارسة السلطة" في الكنيسة، ويعلمنا أن يسوع أشرك رسله في سلطته إذ قال لهم: "الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما رَبطتُم في الأَرضِ رُبِطَ في السَّماء، وما حَلَلتُم في الأَرضِ حُلَّ في السَّماء" (متى 18: 18)؛ وقد منح يسوع بطرسَ سلطة خاصة على الكنيسة إذ قال له: "أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 16: 17 – 19).
إنجيل متى بأكمله مؤطّر بفكرة أن الله قريب إلى شعبه وحاضر بينه من خلال يسوع المسيح، وهي فكرة محورية في اللاهوت المسيحي، وتظهر بوضوح في بداية إنجيل متى ونهايته: "يُسمّونه عمانوئيل، أي الله معنا" (متى 1: 23)؛ "وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم" (متى 28: 20).
رمز انجيل متى هو وجه "الإنسان" لأن هذا الإنجيل يُفتتح بنَسَب المسيح، مشدّداً على السلالة البشرية التي منها وُلِد يسوع، ابن الله.
قصص أخرى مقترحة

Helvetica Light is an easy-to-read font, with tall and narrow letters, that works well on almost every site.
